ابن ميثم البحراني

32

شرح نهج البلاغة

من حسن طلب القصد فيه إلى مطلوبه ، ومن قدر مبلغ له من الزاد ، واستعار له لفظ الطريق لما يسير فيه الإنسان من أحوال الدنيا ويعبر منها إلى الآخرة ، وأشار بطولها وشدّتها إلى عسر النجاة فيها والسلامة من خطرها . إذ كان ذلك إنّما يكون بلزوم القصد والثباث على سنن العدل والاستقامة على حاقّ الوسط من مكارم الأخلاق . إذ علمت أنّ لكلّ من القوّة التميزيّة والشهويّة والغصبيّة حدّ يجب وقوف الإنسان عنده وهو العدل ، وعلمت أنّه أدقّ الحدود وأصعبها . إذ هو محتوش بطرفي تفريط وإفراط قلّ ما يسلم الإنسان من الوقوع في أحدهما ، وهما طريقا جهنّم . فبالحري أن يكون طريقا ذا مسافة لا يصل الإنسان منها إلى غايته إلَّا على بعد بعيد ، ولا يحصل منها على خبير إلَّا بجهد جهيد ، واستعار لفظ الزاد للتقوى والكمالات الَّتي هي بلاغ الإنسان في تلك الطريق إلى اللَّه تعالى ، وبهذا يكون النجاة فيها والخلاص من مهالكها ، ونبّهه على الثاني بقوله : مع خفّة الظهر . إلى قوله : وبالا عليك . واستعار لفظ الخفّة لتقليل اكتساب الآثام وحملها على النفس ، ولفظ الحمل لاكتسابها ، ووجه الاستعاره الأولى : أنّ مقلَّل الآثام سريع القطع لتلك الطريق قريب إلى النجاة فيها من مخاوفها كما قال عليه السّلام : تخفّفوا تلحقوا . وكما أشار إليه الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله : نجا المخفّون . ووجه الثانية : أنّ مكتسب الآثام يثقل بها ويبطئ عن لحوق المخفّين ويهلك بها في طريقه ، وكثرة تخلَّفه تابعة لكثرة اكتسابة كما يكون حال المثقل في الطريق البعيدة ، ولفظ الظهر ترشيح المطلوب . الثالث : التنبيه على وجوب إنفاق المال في وجوه الصدقة والبرّ لمن يحتاج إليه من أهل الفاقة ، وذلك قوله : وإذا وجدت . إلى قوله : عسرتك . وجذبه وأعدّه لذلك بأمرين : أحدهما : كون ذلك زادا يحمله ذو الفاقة إلى يوم القيامة ، ويلقاه به هناك في موضع الحاجة إليه . واستعار لفظ الزاد هنا لما يحصل من فضيلة السخا والكرم بالإنفاق ، ووجه الاستعارة كونه سببا لسلامة النفس من الهلاك في طريق الآخرة ووسيلة إلى السعادة الباقية كالزاد المخلص للمسافر في طريقه والمبلَّغ له إلى مطالبه ،